نورالدين علي بن أحمد السمهودي
16
وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى ( ص )
الفصل الثاني في مسجد قباء ، وفضله ، وخبر مسجد الضّرار [ مسجد قباء ، وفضله ] تأسيس مسجد قباء تقدم تأسيس النبي صلى اللّه عليه وسلم لمسجد قباء في الفصل العاشر من الباب الثالث ، عند مقدمه صلى اللّه عليه وسلم قباء ، وبسطنا ذلك هناك ، فراجعه وذكرنا هناك ما جاء من أن النبي صلى اللّه عليه وسلم عمل فيه بنفسه ، وأنه أسّسه وجبريل يؤمّ به البيت ، وأنه كان يقال : إنه أقوم مسجد قبلة ، وأنه صلى اللّه عليه وسلم أسسه ثانيا بعد تحويل القبلة ، وقدمنا أيضا قول عروة في الصحيح في حديث الهجرة الطويل « فلبث في بني عمرو بن عوف بضع عشرة ليلة ، وأسس المسجد الذي أسس على التقوى » . وفي رواية عبد الرزاق عنه قال « الذين بنى فيهم المسجد الذي أسس على التقوى هم بنو عمرو بن عوف » وكذا في حديث ابن عباس عند ابن عابد ولفظه « ومكث في بني عمرو بن عوف ثلاث ليال ، واتخذ مكانه مسجدّا فكان يصلي فيه ، ثم بناه بنو عمرو بن عوف ، فهو الذي أسس على التقوى » وقدمنا أيضا أنه أول مسجد بناه النبي صلى اللّه عليه وسلم وصلى فيه بأصحابه جماعة ظاهرا . قال الحافظ ابن حجر : اختلف في المراد بقوله تعالى : لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ [ التوبة : 108 ] فالجمهور على أن المراد مسجد قباء ، وهو ظاهر الآية ، وتقدم في فضل المسجد النبوي حديث مسلم المشتمل على أن أبا سعيد سأل النبي صلى اللّه عليه وسلم عن المسجد الذي أسس على التقوى فقال « هو مسجدكم هذا » وفي رواية لأحمد والترمذي عنه : اختلف رجلان في المسجد الذي أسس على التقوى ، فقال أحدهما : هو مسجد المدينة ، فسألاه عن ذلك ، فقال : هو هذا ، وفي ذلك - يعني مسجد قباء - خير كثير ، وقدمنا أيضا الجمع بأن كلا من المسجدين قد أسس على التقوى من أول يوم تأسيسه ، وأنهما المراد من الآية ، وأن السر في اقتصاره صلى اللّه عليه وسلم على ذكر مسجد المدينة دفع توهم اختصاص ذلك بمسجد قباء ، كما هو ظاهر ما فهمه السائل وتنويها بمزية مسجده الشريف . قال الحافظ ابن حجر : والحق أن كلا منهما أسس على التقوى ، وقوله تعالى في بقية الآية فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا [ التوبة : 108 ] يؤيد كون المراد مسجد قباء . وعند أبي داود بإسناد صحيح عن أبي هريرة عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : نزلت فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا في أهل قباء ، قال : كانوا يستنجون بالماء ، فنزلت فيهم هذه الآية . قال الحافظ ابن حجر : فالسر في جوابه صلى اللّه عليه وسلم بما تقدم دفع توهم أن ذلك خاص بمسجد قباء .